في مطلع السنة الجديدة 2026، وحين كانت الليالي لا تزال تحتفظ ببرودة البدايات، وقف أبو القمر زمرد عند مفترقٍ لم يكن عاديًا، حيث التقى بالتنين الفضي، كأن اللقاء لم يكن صدفة، بل وعدًا قديمًا تأخر موعده.
لم يكن التنين حديث أسطورة، ولا ظلّ خيالٍ عابر، بل رمزًا للقوة الحكيمة، التي لا تظهر إلا لمن أثبت صبره، وأخلص لطريقه، وسار دون أن يلتفت للخلف.
تبادل الاثنان نظرةً طويلة، وفي تلك اللحظة، أدرك أبو القمر زمرد أن الطريق لم ينتهِ، بل بدأ يتّضح أكثر. فشكر اللقاء في صمته، ومضى دون ضجيج.
عاد أبو القمر زمرد إلى واقعه، فوجده مشغولًا بما بناه بيديه، في موقعه التجاري الذي أنشأه قبل ستةٍ وعشرين عامًا، موقع لم يكن مجرد صفحات، بل عمرًا من التجربة، وأثرًا من الصبر، وشاهدًا على أنه لم يضع وقته سدى.
كان يعمل هناك بهدوء، كمن يعرف أن لكل شيء وقته، وأن الأحلام لا تُطارد، بل تُستقبل حين تنضج.
وحين أنهى يومه، ترك خلفه الشاشات والضوء، وسار إلى حيث يلتقي بآماله، لا متعجلًا، ولا مترددًا، بل ثابت الخطى، كما يفعل من تعلّم أن الأمل لا يُولد فجأة، بل يُربّى مع السنين.
لم يكن أبو القمر زمرد يومًا من الذين يرفعون راية الاستسلام، ولا من الذين يتركون الريح تدفعهم حيث تشاء. كان يرى الحياة بخطوطها الحادة وظلالها الثقيلة، ويعرف أن كل ضربةٍ هي درس، وكل سقوطٍ هو بداية صعود جديد.
وحين حاولت الدنيا أن تكسِر صلابته، وقف مبتسمًا، وقال لنفسه قبل الناس: "أنا لم أُخلق لأُهزم، بل لأتعلّم وأبقى."
كان يؤمن أن العمر ليس رقمًا يُقصِر الطريق، ولا جدارًا يمنع الحلم… بل هو تجربةٌ تجعل القلب أنقى والعقل أعمق. ولذلك قالها بثبات لا يشبه أحدًا:
"حتى بعد الثمانين… سأمشي، سأحلم، وسأبقى."
كان يعلم أن هناك حياة أبدية، عالمًا آخر ينتظر كل روحٍ صادقة، لكنّه أيضًا كان يعرف أن الله وضعه في الدنيا ليؤدي دوره، ويترك أثرًا لا ينطفئ. فلذلك كان يعيشها كأنها هدية، ويحمي قلبه كأنه كنز، ويمضي فيها بثبات القمر وسط السماء.
أبو القمر زمرد، الرجل الذي لم يَغلبه الزمن، ولم تُنهِ عزيمته الأيام… بل كلما تقدم عمره، ازدادت روحه قوة، وكأنه خُلق ليبقى طويلًا… ويعلّم الآخرين كيف يكون البقاء شرفًا.
في زمنٍ تتصارع فيه المواقف قبل الأشخاص، وتختلط فيه الأقنعة بالوجوه، وجد أبو القمر زمرد نفسه يسير وسط مجتمعٍ متناقض؛ مجتمع يجمع المتضادّات كما تجمع الصحراء بين سكون الليل وحرارة الظهيرة.
رأى بعينيه الخير والشر يمشيان جنبًا إلى جنب؛ رجل يعطي بلا حساب، وآخر يمنع حتى كلمة طيبة. ورأى الكرم والبخل في وجوه لا يفرّق بينها إلا موقف واحد يظهر أصل صاحبها.
وفي الطرقات لمح الذكاء والغباء: ذكاءٌ يرفع صاحبه ولو كان ضعيفًا، وغباءٌ يُسقط من ظن نفسه فوق الجميع. ورأى أيضًا القوة والضعف، لكنّه أدرك أن أقواهم هو من يحفظ قلبه نقيًا رغم كل شيء.
أما أبو القمر زمرد، فقد ظلّ يمشي بينهم لا يتغيّر مهما تغيّروا، يعطي من قلبه، ويحفظ سرّه، ويعرف أن البشر مثل الرمال… منها ما يدفنك، ومنها ما يبني طريقك.
وتحت كل هذا الضجيج، بقي ثابتًا على قيمه، يبحث عن معنى، عن صديق حقيقي، وعن لحظة صادقة تلامس مثل نور القمر حجرًا من زمرد… فيضيئه.